المشاركات

مشاركة مميزة

خلف الضوء

صورة
كان ضوء المنارة يدور فوق البحر كما اعتاد منذ مئة وثلاثة أعوام، لكن تالة عرفت من اللفة الأولى أنه ليس الضوء نفسه. وقفت عند أسفل البرج، ورفعت وجهها نحو الحزمة البيضاء التي تشق الضباب كل اثنتي عشرة ثانية. بالنسبة إلى رجال الشرطة المتجمعين عند البوابة، كان الضوء قويًا ومنتظمًا. أما هي فرأت غياب الحواف الملونة التي تصنعها العدسة الزجاجية القديمة حين تعبرها الأشعة؛ لم يظهر على الضباب ذلك الخيط الأخضر القصير، ولا الوميض الكهرماني الذي كان يسبق قلب الحزمة. قال الضابط نائل: ــ استدعيناك لفحص الزجاج المكسور، لا لمراقبة الغيوم. أنزلت تالة حقيبتها عن كتفها. ــ أنا لا أراقب الغيوم. أراقب ما لم يعد يصل إليها. كانت مهندسة حفظ زجاج معماري، تعمل مع المتاحف والمباني التاريخية حين يصبح الفرق بين الإصلاح والإتلاف أضيق من شعرة. قبل تسعة أشهر شاركت في توثيق عدسة منارة المرفأ القديم: أسطوانة ضخمة من حلقات زجاجية منشورية، صُنعت في مطلع القرن الماضي، وتدور داخل الغرفة العليا فوق قاعدة نحاسية. سجّلت يومها كل شرخ وفقاعة هواء وخدش. لم يكن جمال العدسة في صفائها، بل في عيوبها التي بقيت موزعة مثل بصمات لا تتك...

المظاهر تستهلكنا بصمت

صورة
كانت جود تحاول تثبيت قرطها اللامع أمام المرآة للمرة الخامسة، حين سألتها شقيقتها رُبى عن سبب شراء حقيبة جديدة، مع أنها اشترت واحدة قبل أقل من شهرين. لم تلتفت جود إليها. كانت منشغلة بتعديل خصلة من شعرها، وبالتأكد من أن الفستان الأخضر يبدو مناسبًا للإضاءة التي ستلتقط فيها الصور مساءً. قالت وهي تتفحص انعكاسها: «القديمة شافوها البنات أكثر من مرة». لم تجب رُبى. كانت جالسة على طرف السرير، تحيط بها أكياس التسوق والعلب المفتوحة والملابس التي جُرّبت ثم تُركت جانبًا. ومن خلف النافذة الكبيرة، بدأت أضواء المدينة تظهر مع اقتراب المساء. كان المشهد يبدو جميلًا لمن يراه من الخارج. غرفة أنيقة، عطور مرتبة أمام المرآة، مجوهرات لامعة، ملابس فاخرة، وامرأة تستعد لحضور مناسبة اجتماعية. لكن رُبى كانت تعرف ما لا يظهر في الصور. كانت تعرف أن جود أعادت توزيع مصروف الشهر ثلاث مرات لتتمكن من شراء الفستان، وأنها أجلت إصلاح جهاز التكييف، وأن جزءًا من راتبها القادم أصبح محجوزًا لسداد مشتريات لم تستخدم بعضها حتى الآن. وكانت تعرف أيضًا أن أختها لم تكن تستمتع بكل ذلك كما يفترض. فمنذ الصباح، لم تتوقف جود عن القلق...

طرف المقود

صورة
تركت رُهام المربّع الأخير في رزنامة المطبخ بلا علامة. كانت قد وضعت دوائر زرقاء حول مواعيد اللقاحات، وخطوطًا حمراء تحت أيام الاختبارات، ونجمة صغيرة عند أول رحلة ناجحة في الحافلة، لكنها لم تستطع أن ترسم شيئًا على يوم التسليم. ظلّ التاريخ أبيض، كأن عدم تسميته يؤخّره. في السادسة صباحًا، نهض بارق من فراشه عند سماع المنبّه، تمدّد حتى لامست كفّاه الأماميتان أرض الممر، ثم حمل مقوده الأزرق إلى رُهام. لم يكن ذلك جزءًا من تدريبه. علّم نفسه هذه العادة لأنه لاحظ أنها تبتسم كلما فعلها. أخذت المقود منه وقالت عبارتها اليومية: ــ صباح العمل. هزّ ذيله مرة واحدة، ثم جلس ينتظر الطوق. كان بارق كلب إرشاد أشقر، عريض الصدر، في الثالثة من عمره. قضى عامه الأول مع أسرة متطوعة عوّدته ضجيج البيوت والأسواق، ثم انتقل إلى مركز «خطوة» حيث تولّت رُهام تدريبه المتخصص. خلال تسعة عشر شهرًا علّمته أن يتوقف عند حافة الرصيف، وأن يتجاهل الطعام الملقى، وأن يبحث عن باب أو مقعد أو درج حين يسمع الأمر المناسب، وأن يرفض الطاعة إذا كان تنفيذ الأمر يعرّض صاحبه للخطر. وفي المقابل علّمها هو أن تميّز صمته الحائر من صمته الواثق، وأن...

الأقارب ليسوا أمانًا

صورة
حين خرج عادل من مكتب المحامي، لم يكن أكثر ما يؤلمه ضياع المبلغ الذي دفعه، بل الجملة التي ظل يرددها في رأسه منذ الصباح: «لكنّه ابن عمي». قبل عامين، اقترح عليه ابن عمه حسام أن يدخلا معًا في مشروع صغير لتوريد مواد البناء. كان حسام يعرف السوق، وعادل يملك جزءًا من رأس المال. لم يطلب عادل عقدًا مفصلًا في البداية، ولم يسأل كثيرًا عن الحسابات، ولم يفكر في تحديد الصلاحيات أو طريقة تقسيم الأرباح. كان يقول لنفسه إن الأمر بين أبناء عائلة واحدة، وإن الورق يصلح للغرباء، أما الأقارب فيكفي بينهم الوعد. في الأشهر الأولى، سار العمل بصورة تبدو مطمئنة. كانت الأرباح متواضعة لكنها موجودة، وكان حسام يتصل به باستمرار ويحدثه عن توسع قريب وصفقات أكبر. ثم بدأت التفاصيل تتغير. تأخرت دفعات. اختفت بعض الفواتير. ظهرت ديون لم يكن عادل يعرف عنها شيئًا. وحين طلب كشفًا واضحًا للحسابات، تغيرت نبرة الحديث. قال حسام إن عادل لا يثق به، وإنه من العيب أن يتحول التعامل بين الأقارب إلى تحقيق ومحاسبة. شعر عادل بالحرج، فتراجع عن بعض أسئلته. وهنا وقع في الخطأ الذي يقع فيه كثيرون: خلط بين الثقة والقرابة. لم يكن سؤاله عن ا...

العمق المناسب

صورة
في الحصة الأولى، تعلّمت آسية أن الماء لا يهتم بما حققته خارجه. كانت في السابعة والثلاثين، تدير فريقًا لمراجعة مطالبات التأمين، وتعرف كيف توقف اجتماعًا خرج عن موضوعه وكيف تعيد ملفًا ناقصًا من دون أن ترفع صوتها. لكن حين طلبت المدربة إيناس من المبتدئين أن يضعوا وجوههم في الماء ويطلقوا الهواء ببطء، رفعت آسية رأسها بعد ثانيتين، تسعل وتتمسك بحافة المسبح. إلى جوارها، فعل تميم الشيء نفسه، لكنه حاول أن يحول سعاله إلى ضحكة. قال: «على الأقل لم نشرب أكثر من اشتراكنا.» لم تضحك. كانت منشغلة بمنع قلبها من إعلان حالة طوارئ بسبب ماء لا يتجاوز صدرها. ضمت الدورة ثمانية بالغين، تتفاوت أعمارهم ومهاراتهم. بعضهم يستطيع عبور الحوض بحركات فوضوية، وبعضهم جاء لأنه لا يعرف كيف يطفو. أما آسية وتميم فوضعتهما إيناس في الممر الضحل، حيث تمتد الأرضية الزرقاء تحت القدمين بوضوح مطمئن. كان التمرين التالي أن يمد كل متدرب ذراعيه فوق الماء بينما يسنده زميله من الكتفين. حين جاء دور آسية، وقف تميم خلفها وسأل قبل أن يلمسها: «هل أضع يدي هنا؟» أشار إلى أعلى ذراعيها، وانتظر حتى أومأت. استلقت. دخل الماء أذنيها، فتحول صوت ...

الصمت يصنع المسافات

صورة
لم يكن المطر هو ما دفع نيروز إلى دخول البيت الزجاجي القديم في ذلك المساء. كانت تستطيع انتظار انقطاعه في سيارتها، لكنها رأت من خلف الزجاج والدها يحاول وحده تثبيت غطاء بلاستيكي فوق طاولة النباتات، بينما كانت قطرات الماء تتساقط من أحد ألواح السقف المتصدعة. أغلقت باب السيارة، ورفعت ياقة معطفها، ثم أسرعت نحو المدخل. كان والدها، جابر، قد تجاوز الستين، وأصبح يقضي معظم وقته في مشتل صغير تابع لحديقة الحي. أحب النباتات منذ شبابه، وبعد تقاعده وجد في العناية بها عملًا يمنحه شعورًا بالجدوى. حين دخلت نيروز، رفع رأسه نحوها. بدت الدهشة واضحة على وجهه، لكنه لم يسألها لماذا جاءت بعد انقطاع استمر خمسة أشهر. قال فقط إن الأرض مبتلة وعليها أن تنتبه إلى خطواتها. أجابته بأنها رأت الماء يتسرب من السقف، ثم أمسكت بطرف الغطاء وساعدته على فرده. تعاونا لدقائق دون حديث يُذكر. كان أحدهما يشير إلى زاوية الطاولة، فيفهم الآخر ما ينبغي فعله. وحين انتهيا، وقف كل منهما عند طرف مختلف من المشتل، تفصل بينهما أحواض صغيرة من الريحان والنعناع. كانت المسافة بضعة أمتار، لكنها بدت لنيروز أطول من الأشهر التي مرت منذ آخر حديث...

خارج اللقطة

صورة
قبل أن تفتح رُواء حقيبة الكاميرا، طلبت من مؤنس أن يجعل المرآة تبدو أقدم. كانت مرآة عادية تمتد فوق ثلاثة كراسٍ في صالون «المقص الأزرق»، وعلى حافتها شق دقيق لا يراه أحد إلا إذا بحث عنه. ومع ذلك قالت رُواء إن انعكاس المصابيح الجديدة يمنح المكان مظهرًا تجاريًا، بينما تحتاج الحلقة إلى «دفء الحارات القديمة». سألها مؤنس: «وكيف أجعلها أقدم؟» أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة فيها مسحوق بلون الغبار. اقترحت أن يمسح به زاويتي الإطار، ثم يترك منشفة باهتة على الرف. ضحكت حين ظل ينظر إليها، وأضافت أن التصوير لا يكذب؛ إنه فقط يزيل من الحقيقة ما يشتت المشاهد. لم يجادلها. كان في جيبه إشعار متأخر من مالك المحل، وفي درج الحساب فاتورتان للكهرباء، وعلى هاتفه رسالة من شركة توريد تطلب تسديد نصف ثمن الكراسي الجديدة قبل نهاية الشهر. أما رُواء فقد عرضت عليه ألفًا ومئتي دولار مقابل إغلاق الصالون صباح السبت وتصوير حلقة من برنامجها الإلكتروني: عشرة رجال يمرون بظروف صعبة يحصلون على حلاقة وملابس نظيفة وفرصة لبداية جديدة. قرأ العقد ليلة كاملة. لم يفهم كل بنوده، لكنه فهم الرقم. قال: «المرآة تبقى كما هي.» ابتسمت رُواء...