خلف الضوء
كان ضوء المنارة يدور فوق البحر كما اعتاد منذ مئة وثلاثة أعوام، لكن تالة عرفت من اللفة الأولى أنه ليس الضوء نفسه. وقفت عند أسفل البرج، ورفعت وجهها نحو الحزمة البيضاء التي تشق الضباب كل اثنتي عشرة ثانية. بالنسبة إلى رجال الشرطة المتجمعين عند البوابة، كان الضوء قويًا ومنتظمًا. أما هي فرأت غياب الحواف الملونة التي تصنعها العدسة الزجاجية القديمة حين تعبرها الأشعة؛ لم يظهر على الضباب ذلك الخيط الأخضر القصير، ولا الوميض الكهرماني الذي كان يسبق قلب الحزمة. قال الضابط نائل: ــ استدعيناك لفحص الزجاج المكسور، لا لمراقبة الغيوم. أنزلت تالة حقيبتها عن كتفها. ــ أنا لا أراقب الغيوم. أراقب ما لم يعد يصل إليها. كانت مهندسة حفظ زجاج معماري، تعمل مع المتاحف والمباني التاريخية حين يصبح الفرق بين الإصلاح والإتلاف أضيق من شعرة. قبل تسعة أشهر شاركت في توثيق عدسة منارة المرفأ القديم: أسطوانة ضخمة من حلقات زجاجية منشورية، صُنعت في مطلع القرن الماضي، وتدور داخل الغرفة العليا فوق قاعدة نحاسية. سجّلت يومها كل شرخ وفقاعة هواء وخدش. لم يكن جمال العدسة في صفائها، بل في عيوبها التي بقيت موزعة مثل بصمات لا تتك...